أحمد مطلوب
55
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ « 1 » ، والضريع نبت وهو يبيس الشبرق ، ولا تقربه الإبل أو الدواب لخبثه ، والمعنى ليس لهم طعام أصلا ، لأنّ الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الانس . ومن ذلك قول بعضهم : وتفرّدوا بالمكرمات فلم يكن * لسواهم منها سوى الحرمان والمراد نفي المكرمات عن سواهم لأنّه إذا كان لهم الحرمان من المكرمات فمالهم منها شي البتة . الخامس : ليس مما تقدم بشيء كقوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ « 2 » والمعنى المراد من هذا الكلام أنّك أخطأت وبئسما فعلت ، وقوله : لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بيان لما كنى عنه بالعفو أي مالك أذنت لهم وهل أستأنيت ؟ فذكر العفو دليل على الذنب ورادف له وإن لم يذكره . ومن ذلك قول كثيّر : وددت وما تغني الودادة أنني * بما في ضمير الحاجبية عالم فإن كان خيرا سرّني وعلمته * وإن كان شرا لم تلمني اللوائم فان المراد من قوله « لم تلمني » أني أهجرها فأضرب عن ذلك جانبا ولم يذكر اللفظ المختص به ولكنه ذكر ما هو دليل عليه ورادف له . ورجع المصري إلى ما بدأه قدامة ونقل تعريفه وبعض أمثلته « 3 » ، وقرّق الحموي بين الإرداف والكناية وقال : « قالوا : إنه هو والكناية شيء واحد . قلت : إذ كان الأمر كذلك كان الواجب اختصارهما ، وانّما أئمة البديع كقدامة والحاتمي والرماني قالوا إنّ الفرق بينهما ظاهر . والإرداف هو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له بل يعبر عنه بلفظ هو رديفه وتابعه كقوله تعالى : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ « 4 » فانّ حقيقة ذلك : جلست على المكان ، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى لفظ هو رديفه ، وإنّما عدل عن لفظ الحقيقة لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل . وهذا لا يحصل من لفظ « جلست » و « قعدت » . ومن الأمثلة الشعرية على الإرداف قول أبي عبادة البحتري يصف طعنة : فأوجرته أخرى فأحالمت نصلها * بحيث يكون اللبّ والرعب والحقد « 5 » ومراده القلب فذكره بلفظ الإرداف . والفرق بين الإرداف وبين الكناية أنّ الإرداف قد تقرر أنّه عبارة عن تبديل الكلمة بردفها ، والكناية هي العدول عن التصريح بذكر الشيء إلى ما يلزم ؛ لأنّ الإرداف ليس فيه انتقال من لازم إلى ملزوم ، والمراد بذلك انتقال المذكور إلى المتروك كما يقال : « فلان كثير الرماد » ومراده نقله إلى ملزومه وهي كثرة الطبخ للأضياف » « 6 » . ويبدو أنّ هذا التمييز لم يقع إلا بعد أن خاض السكاكي وشراح التلخيص في مباحث البلاغة التي ربطوها بالمنطق ، ولذلك فرّق السيوطي مثل ذلك التفريق وقال : « قال بعضهم : والفرق بين الكناية والإرداف أنّ الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم ، والإرداف من مذكور إلى متروك » « 7 » . وذكر المدني أنّه والكناية شي واحد عند علماء البيان ، غير أنّ أئمة البديع فرقوا بينهما « 8 » .
--> ( 1 ) الغاشية 6 . ( 2 ) التوبة 43 . ( 3 ) تحرير التحبير ص 207 ، بديع القرآن ص 83 . ( 4 ) هود 44 . ( 5 ) أوجره الرمح ؛ طعنه به في فيه . ( 6 ) خزانة الأدب ص 376 . ( 7 ) معترك ج 1 ص 290 ، الاتقان ج 2 ص 48 ، شرح عقود الجمان ص 117 ، الروض المريع ص 117 . ( 8 ) أنوار الربيع ج 6 ص 51 ، وينظر نفحات ص 79 ، شرح الكافية ص 199 .